فخر الدين الرازي
238
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عائد إلى النبات الموجود في الأرض . وأما قوله : أَتاها أَمْرُنا فقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : يريد عذابنا والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها . وقوله : فَجَعَلْناها حَصِيداً قال ابن عباس : لا شيء فيها ، وقال الضحاك : يعني المحصود وعلى هذا ، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتها ، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد النبات ، قال أبو عبيدة : الحصيد المستأصل ، وقال غيره : الحصيد المقطوع والمقلوع . وقوله : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ قال الليث : يقال للشيء إذا فنى : كأن لم يغن بالأمس أي كأن لم يكن من قولهم غني القوم في دارهم ، إذا أقاموا بها ، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات . وقال الزجاج : معناه : كأن لم تعمر بالأمس ، وعلى هذا الوجه فالمراد هو الأرض ، وقوله : كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى ، على الترتيب ليكون تواليها وكثرتها سببا لقوة اليقين ، وموجبا لزوال الشك والشبهة . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 25 ] وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 25 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم . اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق ، رغبهم في الآخرة بهذه الآية ووجه الترغيب في الآخرة ما روي عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « مثلي ومثلكم شبه سيد بنى دارا ووضع مائدة وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي داخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد فاللَّه السيد ، والدار دار الإسلام ، والمائدة الجنة ، والداعي محمد عليه السلام . و عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنيبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق / إلا الثقلين أيها الناس ؛ هلموا إلى ربكم واللَّه يدعو إلى دار السلام » . المسألة الثانية : لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة ، إلا أنهم اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه : الأول : أن السلام هو اللَّه تعالى ، والجنة داره ويجب علينا هاهنا بيان فائدة تسمية اللَّه تعالى بالسلام ، وفيه وجوه : أحدها : أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد سلم من الفناء والتغير ، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته إلى الافتقار إلى الغير ، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] وقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [ فاطر : 15 ] وثانيها : أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ظلمه ، قال : وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] ولأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه ، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلما ولأن الظلم إنما يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج ، ولما كان الكل محالا على اللَّه تعالى ، كان الظلم محالا في حقه . وثالثها : قال المبرد : إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أنه ذو السلام ، أي الذي لا يقدر على السلام إلا هو ، والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات فالحق تعالى هو الساتر لعيوب المعيوبين ، وهو المجيب لدعوة المضطرين ، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين قال المبرد : وعلى هذا التقدير : السلام مصدر سلم . القول الثاني : السلام جمع سلامة ، ومعنى دار السلام : الدار التي من دخلها سلم من الآفات فالسلام هاهنا بمعنى السلامة ، كالرضاع بمعنى الرضاعة فإن الإنسان هناك سلم من كل الآفات ، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزغات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب . والقول الثالث : أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها قال تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] والملائكة يسلمون عليهم أيضا ، قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ *